الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

113

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

أبوا أن يملّونا ولو أنّ أمّنا * تلاقي الذي لاقوه منا لملّت أي فكيف بغير أمّنا . وقد تقدّمت الإشارة إلى هذا عند قوله تعالى : وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ في هذه السورة [ 23 ] ، وكنا أحلنا عليه وعلى ما في هذه الآية عند قوله تعالى : وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ الآية في سورة الأنعام [ 111 ] . والمعنى : لو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ، أي في وقت ما تواعدتم عليه ، لأن غالب أحوال المتواعدين أن لا يستوي وفاؤهما بما تواعدا عليه في وقت الوفاء به ، أي في وقت واحد ، لأنّ التوقيت كان في تلك الأزمان تقريبا يقدّرونه بأجزاء النهار كالضحى والعصر والغروب ، لا ينضبط بالدرج والدقائق الفلكية ، والمعنى : فبالأحرى وأنتم لم تتواعدوا وقد أتيتم سواء في اتّحاد وقت حلولكم في العدوتين فاعلموا أنّ ذلك تيسير بقدر اللّه لأنّه قدر ذلك لتعلموا أنّ نصركم من عنده على نحو قوله : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [ الأنفال : 17 ] . وهذا غير ما يقال ، في تقارب حصول حال لأناس : « كأنهم كانوا على ميعاد » كما قال الأسود بن يعفر يرثي هلاك أحلافه وأنصاره . جرت الرياح على محلّ ديارهم * فكأنهم كانوا على ميعاد فإنّ ذلك تشبيه للحصول المتعاقب . وضمير لَاخْتَلَفْتُمْ على الوجوه كلّها شامل للفريقين : المخاطبين والغائبين ، على تغليب المخاطبين ، كما هو الشأن في الضمائر مثله . وقد ظهر موقع الاستدراك في قوله : وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا إذ التقدير : ولكن لم تتواعدوا وجئتم على غير اتّعاد ليقضي اللّه أي ليحقّق وينجز ما أراده من نصركم على المشركين . ولمّا كان تعليل الاستدراك المفاد بلكن قد وقع بفعل مسند إلى اللّه كان مفيدا أنّ مجيئهم إلى العدوتين على غير تواعد كان بتقدير من اللّه عناية بالمسلمين . ومعنى أَمْراً هنا الشيء العظيم ، فتنكيره للتعظيم ، أو يجعل بمعنى الشأن وهم لا يطلقون ( الأمر ) بهذا المعنى إلّا على شيء مهمّ ، ولعلّ سبب ذلك أنه ما سمّي ( أمرا ) لا باعتبار أنّه ممّا يؤمر بفعله أو بعمله كقوله تعالى : وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا [ مريم : 21 ] وقوله :